الدلالة الشعرية بين الانشغالين الحسي والوجداني
في تجربة نزار قباني
( غـرنـاطة نمـوذجاً )
عبدالجواد خفاجي
أولا القصيدة:
غـرنــاطـة
شعر : نزار قباني
في مدخل "الحمراء" كان لقـاؤنا
مــا أطـيب اللقـيـــا بــلا مـيــعـاد
عينان سوداوان .. في محجريهما
تتــوالـد الأبـــعـاد مـن أبـــعـاد ..
هـل أنتِ أسبــانية ؟ .. ســـاءلتـها
قـالـت ومـن غرنـاطـة مـيـــــلادي.
غرناطة؟ .. وصحت قـرون سبـعة
في تيـنـك العـينيـن .. بـعـد رقــــاد
وأميَّـة .. رايـــاتـها مـرفـــــــوعـة
وجيــادها موصــــولة بجـيـــــاد ..
ما أغـرب التـاريـخ كيـف أعــادني
لحفيــدة ســـمراء، مـن أحفــادي؟
وجـه دمشـــــقي .. رأيـت خـــلاله
أجفــان بلقيــس، وجـيــــد ســعـاد
ورأيـت مـنزلنـا القــديم ، وحجــرة
كانت بهــا أمي تـمـــد وســـــــادي
والياســمينة، رُصِّــعت بنجـومهــا
والبـركــة الـذهبـيــة الإنشــــــــــاد
*******
ودمشق .. أين تكون؟ قلتُ ترينها
في شــعـركِ المنسـاب نهر سواد..
في وجهك العربي، في الثـغر الذي
ما زال مخْتَـِزناً شـــمـوس بــلادي
في طيبة " جنة العريف" ومـائها
في الفل، في الريحان، في العَـبَّاد.
سارت معي.. والشَّعر يلهث خلفنا
كســـنابل تُرِكـت بغــير حصــــادِ..
يتـألق القـــرط الطــويل بجـيـــدها
مثل الشـــمـوع بليــلة الميـــــلادِ..
ومشيتُ مثل الطـفـل خـلف دليلتي
وورائي الـتــــاريخ كـوم رمـــــادِ..
الزخـرفات أكــاد أســـــمع نبضـها
والزركشات على الســقوف تنادي
قالت: هنا الحمــراء زهـو جـدودنا
فاقرأ عـلى جــــدرانــها أمـجـــادي
أمجادها ؟!! ومســحت جرحا نازفا
ومســـحتُ جرحــًا ثانيــًا بفـــؤادي
يـــالـيت وارثــتي الجــميلة أدركت
أن الذيـــن عـنتهـمــــو أجــــدادي
*********
عانقت فيهـــــا عـنـدما ودعتـهـــا
رجلاً يُسمَّى "طــــارق بن زيـــاد"
مدخل وتمهيد:
نزار قباني شاعر أصيل .. التزم في بداياته الشعرية الإطار العمودي للقصيدة العربية .. تميزت أشعاره بالجرأة والصراحة والمجاهرة بموضوعاتها الشعرية، وثوريتها الشديدة على الواقع العربي المتردي، وإن كانت تيارات التحديث على الساحة الشعرية قد جرفت نزار معها نحو الخروج من الإطار الكلاسيكي الملتزم شكلياً بمحددات القصيدة التقليدية إلى كتابة الشعر المرسل، أو قصيدة التفعيلة، أو قصيدة السطر الشعري، ثم إلى الانجراف كلية إلى الشكل الحديث للقصيدة العربية على النحو الذي يطالعنا به شعراء الجيل.
غير أن الطابع الغنائي لقصائده ظلّ القاسم المشترك لكل ما أبدعه نزار، وظلّ نَفَسُه الشعري الكلاسيكي يطغى على أشعاره رغم ما حاول أن يلبسه من ثوب حديث.
تمثل المرأة والدين والسياسة والتاريخ زوايا الإطار الموضوعي لقصائده، وإن كانت المرأة هي عالمه الأثير .. نجدها في كل زاوية من زوايا هذا الإطار .. ينطلق منها كمفَجِّر لموضوعه الشعري.
فهي تارة المحبوبة اليوتوبية التي يضعها كمقابل أو كمرجع مثالي في مقابل واقع فوضوي قبيح؛ ليصب جام غضبه وثوريته عليه، وهي تارة أخرى منطلَقه نحو حلم مخمليٍّ يرى فيه ما لا يراه في واقعه الكابوسي .. وتارة هي المدى الذي يستعذب السفر فيه هاجراً هذا الواقع المؤلم.
وهي في كلٍّ زاده الشعري وملهمته التي تؤجج عاطفته، وتهيج مشاعره، وإن بدا أن مدخله إليها يفيض بالحسية أحيانا.
ونزار قباني في هذا ليس وحيداً؛ فكثير من الشعراء القدامى والمعاصرين دخلوا إلى المرأة من تلك الناحية الحسية، واستفاضوا في حسية مقذعة أحياناً، إلا أن الجديد عند نزار قباني أن المرأة في قصائده تظل ماسكة بخيوط موضوعه الشعري دونما أن تنزلق لتصبح هي نفسها الموضوعة الشعرية.
والجديد عند نزار قباني أيضاً أن انشغالاته الحسية بالمرأة هي التي تحرك ـ بالضرورة ـ انشغالاته الشعورية والعاطفية والفكرية نحوها ونحو عالمها وواقعها، ومن ثم ـ ومن تلك المنطقة تحديداً ـ يحلق نزار قباني إلى موضوعات شعرية أخرى، اجتماعية كانت أو سياسية أو تاريخية.. وبالجملة نستطيع القول إن نزار استطاع من خلال تلك الحسية أن يقيم علاقة جدلية بينه وبين التاريخ العربي واضعاً المرأة كوسيط لازم الوجود.
المرأة إذن عند نزار ليست ذلك الكيان الجميل الذي يتعامل معه تعاملاً حسيّاً مفرَّغاً، فهي لاشك ـ رغم نافذته الحسية إليها ـ تظل كياناً يوتوبياً رائعاً يحتشد للدخول إليه بالفلسفة والتاريخ واللغة والملّكة الشعرية والوعي المتسع؛ ليقيم معه أو من خلاله الحوار الشعري؛ لهذا ـ وكثراً ما ـ تتضخم المرأة في تجربة نزار لتصبح الوطن الأثير ، أو الحلم الجميل الذي يتلقفه في لحظة الهروب من واقعه المؤلم، أو لتصبح هي الهادي أو الدليل نحو زوايا جمالية في هذه الحياة، وفي كثير تصبح هي الحياة نفسها بكل ما فيها من متناقضات.
ولعل المدخل الحسي إلى عالم المرأة في تجربة نزار ـ رغم اتساعها وثرائها وعمقها الفني والمعنوي ـ هو ما أعطى تجربة نزار تواجدها الجماهيري الواسع ، وربما بسبب ذلك ظُلِمت تجربته أيضاً، إذ تعاملت معها الجماهير تعاملاً حسيًّا مسطحاً، وتقبلتها على أنها محض غزل، أو وصف للأنثى وأشيائها، أو بث لعاطفة ما باتجاهها ، وللسبب نفسه أُتهِم نزار بالحسية وأكثر من ذلك بالفحش، ولم يظل الاتهام محصوراً عند نزار بل تخطاه إلى كل شاعر يتناول المرأة من منظور حسي في أشعاره بأنه شاعر "نزاري" أو خارج من عباءة نزار.
من ناحية أخرى ساهم قاموس نزار الشعري المليء بالفلفلات والمشهيات الحسية ـ ساهم إلى حد كبير في إذكاء الألفة بين أشعار نزار والجماهير ، وهو قاموس إضافة إلى ما سبق يبعد عن اللغة المقعرة، والمفردات الوحشية والغريبة أو غير المأنوسة و الميتة في مقبرة اللغة، بل على العكس من ذلك استخدم نزار المفردات المألوفة والمتداولة والبسيطة وتلك التي تمت إلى اليومي و المعيش التي يعف عنه القاموس الشعري، وظهرت براعته في الجمع والتوليف والتشكيل و التركيب الشعري والصُوَري؛ ليعطي في النهاية استخداماً جميلاً مبهراً، وتصويراً جديداً رائعاً مستساغاً.
ولكن إلى أي مدي ستظل تجربة نزار مألوفة ومتسعة جماهيرياً ومتهَمة في الوقت ذاته من ذات الجماهير؟
إن تجربة كهذه جديرة بأن يتناولها النقد الأدبي تناولاً منصفاً، وبقدر اتساعها.. صحيح أن ثمة من اقترب من هذه التجربة، ولكن هل يكفي الاقتراب شذراً من تجربة متسعة كهذه؟.
ومن الغريب القول إن كثيرين ممن تناولوا تجربة نزار أو اقتربوا منها كانوا في تناولهم للتجربة متأثرين إلى حدٍ ما بالجماهير، أو لنقل: سيطرت عليهم جماهيرية الرأي ولم يكونوا منصفين أو موضوعيين.
لقد تجاوز البعض اعتبار تجربة نزار ذات ملامح فنية خاصة ، إلى اعتبارها مدرسة شعرية قائمة بذاتها في مسيرة الشعرية العربية، في ذات الوقت الذي يُتَّهم فيه نزار بأنه شاعر حسي يدغدغ الحواس من خلال تركيزه على المرأة كموضوعة شعرية افتتن بجسدها وجمالها وأشيائها وأعضائها ، وثمة من اعتبر نزار شاعراً مسطحاً بلا عمق، وثمة من رآه شاعراً يكرر نفسه، وثمة من تطرف من أساتذة النقد بكلية دار العلوم بالقاهرة إلى اعتبار نزار مجرد ناثرٍ كبير ، و صنف قصائده باعتبارها قصصاً قصيرة .
حقيقة إن شهرة تجربة نزار جماهيرياً نصَّبَت من كل متلقٍ لشعره ناقداً له ، وأعطت الألفة التي بين الجماهير وشعره فرصة للانطباعية أن تنطلق ضده أو معه، وأعطت كذلك الفرصة لمن أرادوا أن يحاكموه باسم الأخلاق والأعراف واصطلاحات أخرى سخيفة.
إن النقد الأدبي الموضوعي وحده القادر على تناول تجربة نزار قباني تناولا شاملاً علمياً واعياً لكل ملامحها الفنية والرؤيوية ، دون إحجام أو تقصير؛ ليقيِّم هذه التجربة، ويحدد مدى أصالتها و محكاتها مع التراث وموضعها من المعاصرة، ومدى تقاطعها أو اختلافها مع التجارب الشعرية المعاصرة.. تناولاً واعياً يفترع الطريق بمتلقي الشعر إلى مسار مُعبَّدٍ ، ينتهي به إلى رحابة التجربة وعمقها.
القراءة والتحليل:
سنتناول بشيء من النقد والتحليل قصيدة نزار قباني المعنونة "غرناطة" بغية أن نضع يدنا على الملامح الجمالية للتجربة الشعرية فيها، باحثين في الوقت ذاته عن الدلالة الشعرية العميقة تحت الدلالة الظاهرة أو السطحية للغة، واضعين في الاعتبار أن القصيدة ضمن المرحلة المبكرة في تجربة نزار؛ فهي قصيدة تقليدية من حيث البناء، وتختلف كثيراً عن تجاربه في مراحلها التالية حيث أطلت علينا في ثوبها الأحدث.
وقد أتت القصيدة في عشرين بيتاً، نُظِمتْ على بحر الكامل وتفعيلته "متَفَاعلن" ثلاث مرات في كل شطرة، والتزم فيها قافية "الدال" المخفوضة مما يشي بداية بأن القصيدة التزمت إيقاعاً أسيفاً بطيئاً.
غير أن العنوان( غرناطة) يمثل مدخلاً درامياً إلى عالم القصيدة .. تلك المفردة المؤنثة المثيرة للشجن بما تحمله من دلالات الجمال والسحر.. الجنة التي تمازجت فيها الدماء والفنون والعلوم مؤلفة روعة الوجود الإنساني في أبهى كمالاته، غير ما تحمله المفردة من دلالات الفتوحات والبطولات والانتصارات العربية السالفة.. التاريخ العربي العريق، الإرث السليب الضائع .. روعة الماضي وحسرة الحاضر إذا ما وقف أمام شواهد الماضي.
إذن المفردة تحمل بالنسبة لنا المعنى والمعنى النقيض، وتولد فينا شعوراً مزدوجاً من الزهو والحسرة معاً، والتفاخر والانكسار معاً ، ومن ثم فهي ـ بما تولده فينا من صراع النقيضين ـ تعتبر مدخلاً درامياً إلى عالم القصيدة.
تبرز في القصيدة ثلاثة ملامح فنية أساسية :
أولها: اختلاط الأبعاد الزمانية والمكانية، وتمدد اللحظة الشعريه الآنية لتشمل مجمل التاريخ العربي الإسلامي، أو بالمعنى: تداخل الصلات ـ أو الوصلات إن شئنا ـ التاريخية بين الماضي والحاضر وانصهارها معاً في بوتقة اللحظة الشعرية.
ثانيهما: الاتكاء علىالمرأة والتاريخ كإطار للتجربة الشعرية.
ثالثهما: تضافر الدلالات الظاهرة والمباشرة للألفاظ لإبراز دلالاتها المعنوية العميقة.
هذه ا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ